Waters of Life

Biblical Studies in Multiple Languages

Search in "Arabic":
Home -- Arabic -- The Ten Commandments -- 08 Sixth Commandment: Do Not Murder

Previous Lesson -- Next Lesson

الموضوع ٦ -- الوصايا العشر في خروج ٢٠
حَاجِز الله الوَاقِي مِن سُقوطِ الإِنْسَان

٠٨ -- الوَصِيَّة السَّادِسَة: لاَ تَقْتُلْ



سفر الخروج ٢٠: ١٣
لاَ تَقْتُلْ.


٠١.٠٨ - غير معقول إلا أنّه صادق

أصبحَ الإِنْسَانُ الأوَّل المولودُ مِن امرأة، والمحبوبُ مِن أبيه، قاتِلَ أخيه الوحيدَ بلا هوادة. يَكشف الكِتَابُ المُقَدَّس هذه الجريمة النكراء وخُبث القلب البشري بوضوح. ويحمِّل الجميع في ذواتهم صفةَ القاتل الوراثية.

يعيش الإِنْسَانُ منذ آدم منفصلاً عن الله، أنانياً منقاداً برغباته وآماله. ويتصوَّر الفرد في شعوره الباطني أنّه محور الآخرين والمقياس لهم. وإذا ظهر واحدٌ أقوى وأحكم وأغنى وأجمل وأتقى مِن الآخَرين يحسده الآخَرون ويبغضونه. يَقصد كلُّ فرد أن يكون إلهاً صغيراً يُعجَب به الآخَرون ويعبدونه. إنَّ الزَّهْوَ والكِبْرِيَاء هما غريزتان كامنتان للبغض والقتل.

يدعو يَسُوْعُ الشَّيْطَانَ "قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ" الَّذي نزع الإِنْسَانَ مِن شركته الأصلية مع الله. ومنذ ذلك الحين سيطر الموت على الجميع، لأنَّ أجرة الخَطِيْئَة هي موت. وأمَّا الله فإنّه فتح لنا طريقاً للعودة إليه بفضل محبّته وجوده. كل مَن ينتهز فرصة الخلاص ويتغيّر في ذهنه ويَقبل الله محور حياته تحلّ فيه الحَيَاة الأبدية، فيكون لوجوده معنى جديدٌ وفحوى جديدٌ. إِنَّمَا قتلُ الإِنْسَان يعني حرمانه مِن فرصة التوبة والرجوع إلى الله.

ثمَّة دوافع عديدةٌ لقتل إنسان. يكشف لنا يَسُوْع أن نيَّة القتل أولى الأَفْكَار الشِّرِّيْرة الَّتي تخرج من قلبنا (متَّى ١٥: ١٩). ولكنَّ الله في لطفه يعترض نيَّة الإِنْسَان الشِّرِّيْرة، ويمنعه مِن تنفيذها بوصيته: "لا تقتل". لذلك يُعتبر كلُّ نوعٍ مِن القتل، وحتَّى الانتحار، مخالفةً لمشيئة الله، وتعَدِّياً على إرادة الرَّبّ. وكلُّ مَن يعامل الآخَرين معاملةً سيّئة، فيجوّعهم، ولا يحذّرهم مِن الأخطار المتربصة بهم، ينتمي إلى فئة القتلة بالضبط، كأولئك الَّذين يُجرِّعون الآخرين السم أو يقتلونهم بواسطة إنسان ثالث. إِنَّ مَن يَضرّ إنساناً أو يقصِّر بذلك عمره يدعوه الكِتَاب المُقَدَّس أيضاً قاتلاً (رومية ٣: ١-١٨). يحمِّلنا الله مَسْؤُوْلِيَّة أخينا الإِنْسَان، لئلا نتهرب ونقول كما قال قايين: "أَحَارِسٌ أَنَا لأَخِي؟"


٠٢.٠٨ - العِقاب والانتقام

صدرت عقوبة الموت في العَهْد القَدِيْم بحقّ كلّ قاتل عمداً ومغتال، ونُفِّذَت العقوبة للردع (سفر الخروج ٢١: ١٢، ١٤، ٢٨). كان معظم الناس يعيشون آنذاك ضمن عشائر وقبائل كانت بالنسبة إليهم التأمين على الحَيَاة. وكان خطر الاشتباك في الانتقام الدموي الإلزامي وقاية مضلة للفرد. وكانت شريعة "العين بالعين والسن بالسن" (سفر الخروج ٢١: ٢٤) تعيّن نوعيّة العقوبة بنسبة الضرر. ولكن العقوبة كانت تتضاعف عند قتل شيخ القبيلة. لقد طالب "لامك" في حالة موته بقتل ٧٧ شخصاً مِن أعدائه. ولا تزال بعض المذاهب تمارس هذه الشَّرِيْعَة في حالة قتل أحد زعمائهم.

جريمة القتل في رأي الشعوب الساميَّة جريمةٌ لن تُغْتَفَر، ولا يتمّ التكفير عنها إلا بسفك دم إنسان. ويعتبرون المغفرة في هذه الجريمة ظلماً. كذلك لا يمكن ولا يجوز العفو عن الجرم الجماعي لدى القبائل والشعوب. لا مفرّ مِن العقاب. والبغض يدوم. ويستغل البعض شعور الآخرين بالذَّنب عمداً. ويحافظون على كراهية العدو مِن جيل إلى جيل. لقد أصبح هذا التفكير غريباً عن المَسِيْحي سواء في الشَّرق أو في الغَرب.

يبقى القاتل إنساناً شقياً، لأنّه يرزح تحت عبء ذنبه، وتلاحقه في الحلم أو في الفكر أَرْوَاح أولئك الَّذين قتلهم. رأى قنّاصٌ أثناء الحرب العالمية الثَّانِيَة، في إحدى الليالي جماجم أولئك الَّذين أطلق النار عليهم وقتلهم تتدحرج عليه وأعينها مفتوحةٌ تحدق فيه. إذا فكَّر قاتلٌ في قرية إسْلاَمِيَّة في العودة إلى بيته، حتَّى ولو بعد مضي جيل، فعليه أن يتوقَّع قتله على يد ابن القتيل الَّذي يكون قد بلغ سنّ الشباب في تلك الأثناء. إنَّ القتل لا يجدي نفعاً. ولا يكفي التهديد والخوف وحدهما، فلا بد لإيقاف القتل مِن إزالة الأَفْكَار الشِّرِّيْرة، والتغلبّ عليها، مع حلول أَفْكَار جديدة وقوَّة المصالحة. عرف يَسُوْع مكنون القلب البشري، وأعلن الحكم علينا كلنا بالموت، حين قال: "ليس أحدٌ صالحاً إلا الله" (متَّى ١٩: ١٧، مَرْقُس ١٠: ١٨، لُوْقَا ١٨: ١٩). وفي الوقت نفسه حمل خطايانا، ومنحنا روحه الحنون الَّذي يجعل فينا ذهناً جديداً، ليقتلع أَفْكَار القتل مِن قلوبنا مِن جذورها. يعطينا يَسُوْع قلباً جديداً وروحاً مستقيماً، ويجعل مِنَّا مؤمنين يسلكون في وصاياه ويعملون بموجبها.


٠٣.٠٨ - المَفْهُوْم المَسِيْحي حَول القَتل والصُّلْح

أعلمنا يَسُوْع في مَوْعِظَة الجَبَل أنَّ قتل الجسد ليس وحده قتلاً، بل أن القذف بالشتائم هو قتلٌ أيضاً. يترك الشَّتم أثراً كالسهم الَّذي يخترق الجسد. وتميت الوشايات الخبيثة، والأَكَاذِيْب الحاقدة، والتهديدات المقصودة، والنزاع المرير، واللعنة الشِّرِّيْرة، والغدر الشائن، والتهكم اللاذع، المتهَم تدريجياً. تسمّم أوّلاً قلب الناطق الَّذي تخرج مِن لسانه، وتؤذي مِن ثَمَّ المتهم. أوضح يَسُوْعُ لنا هذه المسألة بقوله: "إنَّ كلّ مَن يغضب على أخيه باطلاً، ومَن قال لأخيه "رقا" ومَن قال "يا أحمق" يكون مستوجب الحكم ونار جهنم" (متَّى ٥: ٢١-٢٦). وبهذا الإعلان وضعَنا يَسُوْع كلنا في قفص الاتهام وحكم علينا بالنار وكشف عن قلوبنا الشِّرِّيْرة.

تكون فكرة القتل دون سفك دم بمجرد النية والإرادة للقتل في قلوبنا. فالغضب، والحسد، والإصرار على الخصومة إلى النهاية، والبغض، وروح النقمة، والقسوة، والوحشية لا تخطر ببال البالغين فحسب، بل بذهن الأَوْلاَد أيضاً. ولا يكتب الرَّسُوْل يُوْحَنَّا عبثاً: "كل مَن يبغض أخاه فهو قاتل نفس" (١ يُوْحَنَّا ٣: ١٥).٠

يجب علينا أن نمتحن أنفسنا لنرى إن كنا نبغض إنساناً ما، فنطلب إلى الله أن يمنحنا الغلبة على هذا البغض فينا فوراً، وإلا فإنَّ الأَفْكَار المظلمة تستقر في فؤادنا وتسمم شعورنا الباطني. يطلب يَسُوْع مِن كل مَن يتلو الصَّلاَة الرَّبَّانِيَّة أن يغفر لكل مذنب إليه غفراناً تاماً كما غفر الله لنا ذنوبنا كلها.

ويترقّب الله منا ممارسة التسامح المطلق ليطفئ نار حقدنا نهائياً. ويشاء أن يخلق فينا العزم على الغفران ليغلب مُنية إبادة العدو في قلوبنا. وربما نوافق على ضرورة الغفران لخصمنا، ولكن لا نستعد لنسيان إثمه. احترس، فإنَّنا نصلِّي في هذه الحالة أن يغفر الله لنا ذنوبنا كلها ولكن ألاّ ينسى ظلمنا أبداً. وربما نوافق على القول التالي: أريد أن أسامح زلاّت قريبي، وأستعد أن أنسى ظلمه، ولكني لا أريد أن ألقاه مرة أخرى. فهل تريد ألاّ تتقدّم إلى الله ولا تلقاه وتعاينه مطلقاً؟ وهل تريد أن يعاملك الله كما تعامل خصمك؟

ترك يَسُوْع لنا منفذاً واحداً لنحقّق السلام وقال: "أحبّوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم. وصلوا لأجل الَّذين يسيؤون إليكم ويطردونكم. لكي تكونوا أبناء أبيكم الَّذي في السَّماوات" (متَّى ٥: ٤٤، ٤٥). لا نقدر أن نتغلّب على بغضنا إلاّ في قوَّة المَحَبَّة الإِلَهِيَّة الحالّة في منكسري القلوب. لذلك يحذرنا يَسُوْع في غير لبس ولا إبهامٍ قائلاً: "إن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضاً زلاتكم" (متَّى ٦: ١٥).٠

مِن أين يحق للمَسِيْحيِّين أن يغفروا زلات أعدائهم؟ ألا ينبغي أن يعاقب كل مرتكب خطيئة بالمثل؟ ألا يصرخ الظلم المقترف إلى السماء؟ حقاً، لا يمكن أن يُترك ذنبٌ دون تكفير كما هو مكتوب ·لا مغفرة بدون سفك دم . لهذا السبب حَمل يَسُوْعُ ذنوبنا وتحمّل قصاصنا عوضاً عنا. "وهو مسحوقٌ لأجل آثامنا. تأديب سلامنا عليه وبحُبُره شُفينا" (إِشَعْيَاء ٥٣: ٥). تحمّل ابن مريم آثامنا الشخصية وخطايا المستهزئين والقتلة كلهم. لذلك يحق لنا أن نغفر لكل واحد دون استثناء جميع زلاته. ولا يبقى لنا الحقّ فيما بعد أن نطالب بالعدل وننتقم منه. لقد تَّمم يَسُوْع الحَقَّ كلَّه بواسطة آلامه وموته نيابةً عنا. هو سلامنا. مَن لا يزال يطالب بالعدل لنفسه يدين نفسه. المَحَبَّة وحدها هي تكميل النَّامُوْس (الشريعة). ومَن يبتعد عن المَحَبَّة يحكُم على ذاته.

لقد أدخل المَسِيْحُ يَسُوْع تفكيراً جديداً وإرادة جديدة إلى قلوب تلاميذه. فمَن يتبعه لا يريد فيما بعد أن يقتل أحداً، ولا أن يسبِّب ضرراً لأناسٍ، ولا أن يبغض مَن أساء إليه، لأن زهوه وكبرياءه قد تحطَّما. لقد أدرك شرّ نِيَّاتِهِ، وعَلِمَ أنّه لا يَقدر أن يُصلح نفسَه بنفسه. إنما تيقَّن مِن نعمة ربه الَّذي حرّره مِن حقد فؤاده وسكب محبّته فيه. لذلك فالإِنْسَان الجَدِيْد الَّذي يخلقه يَسُوْع هو الحلّ الوحيد لنتغلب على بغض هذا العالم وقتله المستمر.


٠٤.٠٨ - دِينُ السَّيْف

كُلُّ مَن أدرك نعمة الغفران الَّتي منحنا إياها يَسُوْع، ومارس وصية محبَّة الأعداء، يهتز عندما يتبيّن له أنَّ الإسلام فرَض على أتباعه مانحاً حق الانتقام الدموي، وأمر بالجِهَاد بالأسلحة فِيْ سَبِيْلِ انتشار الإسلام. لقد أمر الله، كما يؤمن به المُسْلِمُون، بالقتل فِيْ سَبِيْلِ الدين. وكتب مُحَمَّد مرَّات عديدة في القُرْآن: "خذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم، ولا تتّخذوا منهم وليّاً ولا نصيراً" (النساء ٤: ٨٩، ٩١، البقرة ٢: ١٩١). لا يَتَكَلَّم، مِن خلال هذه الكلمات، روحُ المَسِيْح، بل روحُ الَّذي "كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ".

أمَر مُحَمَّد بقتل أعدائه الشَّخصِيِّين الواحد تلو الأخر، واشترك في ٢٧ غزوة شخصيّاً، وأمَر بحفر مقبرة جماعية في المدينة المنوّرة لجثث اليهود الَّذين اتّهمهم بالخِيَانَة أثناء معركة "الخندق".

فمنذ معركة "بدر" يتبّرر جميع المُسْلِمِيْن الَّذين يقتلون أعداءهم في الجِهَاد بكلمات مُحَمَّد: "لم تقتلوهم ولكن الله قتلهم. وما رميت إذ رميت ولكنَّ الله رمى" (الأنفال ٨: ١٧). لا يوافق المُسْلِمُون المتحرِّرون على هذا التفسير للآية المذكورة، بينما يستخدمها الإرهابيون المتديِّنون لتبرير أنفسهم أمام المحاكم. ويتضمَّن الوحي لمُحَمَّد عفواً عاماً عن كل جريمة قتل تُرتَكَب فِيْ سَبِيْلِ الجِهَاد، وأكثر مِن ذلك، مَن يستشهد في الجِهَاد الإِسْلاَمِيّ ضد الكفَّار يدخل الجنة مباشرةً حيث تنتظره مسرّاتٌ وملذاتٌ تفوق الوَصف. ومن الناحية الأخرى، لا يجوز لمسلم أن يقتل مسلماً عمداً. لأنَّ هذا القتل يعتبر خطيئة لا تُغْتَفَر في شريعة الإسلام. ولكنَّ عبدة الأَصْنَام وأعداء الإسلام محرومون مِن حماية الشَّرِيْعَة، وقتلُهُم عملٌ صالحٌ، وللقاتل أجرٌ عظيمٌ.

نجد في الشَّرِيْعَة الإِسْلاَمِيّة مَفْهُوْماً غريباً لتنفيذ الحقّ. فالديّة، أي ثمن الدم المسفوك، يمكن أن تحلّ محلّ الأخذ بالثأر. وحتَّى في حوادث السير واصطدام السيارات يسري مفعول شريعة العين بالعين والسن بالسن، الَّتي تطبَّق في دول إسْلاَمِيَّة كثيرة شرعياً أو بغير شرعٍ. لا يمكن هنا فرض حلّ وسط لأنَّ الحقّ الإِسْلاَمِيّ يتطلب تكفيراً. ليس عند المُسْلِمِيْن حَمَل اللهِ، ولا الوسيطُ الَّذي صنع فداءً أبدياً للجميع. لذلك يطبَّق الحقّ والعدل قَبْل الرَّحمة.


٠٥.٠٨ - مَوْعِظَةُ الجَبَل مُناهِضةٌ للجِهاد بالسِّلاح

كانت الحَيَاة في العَهْد القَدِيْم مبنيَّة على الحقّ، وكانت الشَّرِيْعَة المُوْسَوِيَّة تشمل مختلف نواحي الحَيَاة، ليست القَوَانِيْن المدنية فحسب بل الأَنْظِمَة الدِّيْنِيَّة أيضاً. وكان تنفيذ العقوبة في حالة تعدي الشَّرِيْعَة يحتاج إلى سلطة الدولة الدِّيْنِيَّة لتنفيذها. فالجِهَاد نتيجة حتمية لمَفْهُوْم الحَقِّ والشَّرِيْعَة في العَهْد القَدِيْم وفي الإسلام. وكانت الحملات الصَّلِيْبية ارتداداً إلى الماضي بارتباط الدين بالسلطة. فمنذ أن كرز يَسُوْع المَسِيْح بوصية محبَّة الأعداء وطبّقها بنفسه فقدت كل الحروب الدِّيْنِيَّة حقها الإلهي. لم يرسل يَسُوْع رسله إلى العالم للكرازة بالإِنْجِيْل مزوَّدين بالسيف والسهم والرمح، بل قال بالحري لبطرس: "رُدَّ سيفك إلى مكانه. لأن كل الَّذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون" (متَّى ٢٦: ٥٢).٠

وكان المَسِيْح بنفسه مستعداً أن يموت على الصَّلِيْب طوعاً وهو البار وامتنع عن إبادة أعدائه بجيش المَلاَئِكَة. إنَّ روح المَسِيْح معاكسٌ كليّاً لروح مُحَمَّد. لقد كرز يَسُوْع قائلاً: "سمعتم أنّه قيل عين بعين وسن بسن. ''وأمَّا أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشرّ. بل مَن لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر أيضاً" (متَّى ٥: ٣٨-٣٩). وبذلك تم التغلبّ على التفكير القَدِيْم فيما يختصّ بحقّ الدفاع عن النفس. وكان إغماء يَسُوْع المَسِيْح على الصَّلِيْب السبيل الوحيد لقهر الشَّيْطَان أثناء إكمال جميع مَطالِب الحقّ والتكفير عنا.

يقف المَسِيْحي أمام السُّؤال المحرج:"ماذا ينبغي أن أفعل إذا طُلب مني تأدية الخدمة العسكرية، حيث أتدرب على استعمال الأسلحة الحَدِيْثة، وربما أضطرّ أن أشترك في القتال؟" وماذا يعني هذا لمواطن في دولة كبرى، وماذا يعني هذا السؤال لكل مؤمن ينتمي إلى أقلِّية مَسِيْحيَّة في دول غير مَسِيْحيَّة؟ وَجد المُؤْمِنُون في أزمنة مختلفة أجوبة متنوعة لهذه المسألة الصعبة. كان البعض مستعدين أن يُزَجَّ بهم في السجن لأجل مقاصدهم السلمية، وأن يموتوا شهداء المَسِيْح. إنما الآخرون يريدون أن يخضعوا للحكّام الَّذين لهم سلطة عليهم، إذ يعتبرون منع القتل أمراً محدوداً يختص بحياتهم الشخصية فقط. ويقرّون ألاّ يبغضوا أحداً، ولكن يستعدون أن يدافعوا عن وطنهم. فيجتهدون بأن يحبّوا أعداءهم الشخصيين، وفي الوقت نفسه يكونون مخلصين لحكومتهم. إنّهم يَعتبرون مَلَكُوْتَ الله الآتي مَلَكُوْتاً روحياً أبدياً، وأمَّا ممالك هذا العالم فممالك اضطرارية وضرورية لاَ بُدَّ مِنْها حالياً. مَن يطرح هذا السؤال على نفسه ويطلب مِن الله الإرشاد إلى الطريق الَّذي ينبغي أن يسلكه، ينال جواباً، ويحلّ السلام في قلبه. وليحترس هذا المؤمن مِن أن يحتقر الآخرين الَّذين اتّخذوا قراراً معاكساً. فتحَمُّل مَسْؤُوْلِيَّة الشعب والوطن وصيَّةٌ إلهيَّةٌ كوصيَّة محبَّة الأعداء.


٠٦.٠٨ - قَتَلةٌ عصريُّون

تُمارَس مَوْعِظَة الجَبَل وتطبَّق في الحَيَاة الشخصية بالدرجة الأُوْلَى. ويظهر أنّه لم يحن بعد الوقت لتطبيقها سياسياً. فمَن يكافح بعنف لأجل السلام والمحافظة على البيئة فقد أساء فهم مَوْعِظَة الجَبَل، تماماً مثل الَّذين يؤيِّدون بدافع الإِنْسَانِيّة الخاطئة إسقاط الجنين (الإجهاض)، ويُساهمون في أكبر جريمة قتل جماعي عرفها التاريخ. لقد قُتلت الملايين مِن الأجنّة الحية في الأرحام. تحمل أمَّهات وآباء كَثِيْرُوْن شوكة القتل في قلوبهم. نعيش في جيل قتلة، وإننا جزء مِن هذا الجيل دون أن نعلم ذلك.

يموت عشرات الألوف على الطرق بسبب حوادث السير. لا يموتون عن طريق الصدفة ولا بسبب التكنولوجيا الحَدِيْثة، إنما تعود حوادث السيارات غالباً إلى شرب الخمر والسرعة المتزايدة في السير أو إلى فرط التعب. وإن أردنا أن نحافظ على الوَصِيَّة السَّادِسَة فعلينا أن نبرز القتل بالسيارات ونطلب بإلحاح تغيير أسلوب السير ونقود سياراتنا بانتباه وضبط النفس طالبين مِن ربنا الحماية والصبر والاطمئنان.

نعيش في عصر تلوّث البيئة المتزايد وتسمّم الهواء والمواد الغذائية. وربما استطعنا أن نخفّف مِن حدّة ضربات الله إنْ كنا نهتم بالبيئة المحيطة بنا أكثر ونلفت أنظارنا بهذا الخصوص إلى خالقنا. وهكذا نحافظ على دنيانا ونجاهد أن لا ندمرها بأنفسنا.

إنَّ الأكل والشرب المفرط نوع مخفي من الانتحار الَّذي لا يتم عمداً ولا دفعةً واحدةً. ألوف مِن الناس في مجتمعنا، الَّذي تسوده الرفاهية، يلتهمون الطعام ويعاقرون الخمور إلى أن يسيؤوا إلى حياتهم. ويحطمون بالفجور الجسد والنفس والروح. ويمرّر الكَثِيْرُوْن حياتهم الخاصة بالحسد والبخل، ويثقّلون أنفسهم بالهموم أَكْثَر مِمَّا ينبغي، ويَسْتَسْلِمون للكمد ولوعة الغربة أو المزاج المكتئب، فيقصِّرون بذلك حياتهم. وعلى مثال ذلك يُعَدّ سخط العمل، وقلّة الراحة، أو القسوة الخاطئة ضد النفس، وسيلة لتدمير الذات. مَن لا ينام بانتظام ويعيش مهملاً، أو يأكل ويشرب ما لا يتحمله جسمه يذنب إلى جسده الخاص. نحن ملك الله ولسنا ملكاً خاصاً لأنفسنا.

علّمنا يَسُوْع إنكار الذات، وليس محبَّة الذات، حين قال: "مَن أراد أن يخلّص نفسه يهلكها، ومَن يهلك نفسه مِنْ أَجْلِي يجدها" (متَّى ١٦: ٢٥). وضَّح الرَّسُوْل بُوْلُس: "ليس مَلَكُوْت الله أكلاً وشرباً. بل هو بر وسلام وفرح في الرُّوْح القُدُس" (رومية ١٤: ١٧). فالحَيَاة الرُّوْحِيَّة المنتظمة تُنتج حياة جسدية منتظمة أيضاً، مع سلام في القلب وسلامة في الجِوَار.

تحرّم الوَصِيَّة السَّادِسَة علينا كل أساليب القتل، وتشجِّعنا في الوقت نفسه على تأدية أعمال المَحَبَّة، وتوقظ فينا العطف على مَن أصبح في البؤس. ينبغي ألاّ نمرّ مرّ الكرام بالَّذين ينتظرون عونَنا، بل أن نضحِّي بوقتنا لمساعدتهم قدر استطاعتنا. لقد مثّل يَسُوْع محبَّة الله المتجسدة أمامنا بحياته المثالية لنتبعه ونطبِّق هذه الوَصِيَّة عملياً. يرشدنا بروحه الرؤوف لنبلغ محبَّة الله إلى الآخرين يَوْمِيّاً. ويجعل مِن القتلة أَوْلاَد المَحَبَّة الَّذين يحاولون أن ينقذوا الضَّالِّيْن لشفائهم الروحي إذ يرشدونهم إلى طبيب الأطباء يَسُوْع الَّذي يجدِّدهم ويقدِّسهم مِن الداخل ويُحوِّل فيهم النفسَ القاتلة إلى نفس خادمة ومُحبّة.

www.Waters-of-Life.net

Page last modified on March 11, 2014, at 10:07 AM | powered by PmWiki (pmwiki-2.2.140)