Waters of Life

Biblical Studies in Multiple Languages

Search in "Arabic":
Home -- Arabic -- The Ten Commandments -- 04 Second Commandment: Do Not Make Idols

Previous Lesson -- Next Lesson

الموضوع ٦ -- الوصايا العشر في خروج ٢٠
حَاجِز الله الوَاقِي مِن سُقوطِ الإِنْسَان

٠٤ -- الوَصِيَّة الثَّانِيَة: لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً



سفر الخروج ٢٠: ٤-٦
لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتاً وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ, وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ, وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ, لأَنِّي أَنَا الرَّبّ إِلَهَكَ إِلَهٌ غَيُورٌ, أَفْتَقِدُ ذُنُوبَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ مِنْ مُبْغِضِيَّ وَأَصْنَعُ إِحْسَاناً إِلَى أُلُوفٍ مِنْ مُحِبِّيَّ وَحَافِظِي وَصَايَايَ.

الوَصِيَّةُ الثَّانِيَة هي تتمَّةٌ وتعميقٌ للوصية الأُوْلَى. لذلك تُعتبر في بعض الأَنْظِمَة الكنسية جزءاً تابعاً للوصية الأُوْلَى. ويعتقد بعض المفسّرين أن الوَصِيَّة الثَّانِيَة هي أصعب الوَصَايَا، لأنّه يُساء فهمُها في كثير مِن الأحيان.


٠١.٠٤ - المأخذ على الصُّوَر المَسِيْحِيَّة

يتهم المُسْلِمُون واليهود أكثريةَ المَسِيْحِيِّيْن بتجاوز أوامر العلي قائلين: "أنتم الَّذين تخالفون وصيةَ الله الأساسية، لأنَّكم ترسمون صوراً عنه تعالى وتعرضونها على الملأ بحسب تخيُّلاتكم البشرية. وقد جرى مِن حين إلى آخَر حوارٌ عنيفٌ حتَّى بين المذاهب المَسِيْحِيَّة نفسها حول التَّطبيق الصَّحيح لهذه الوَصِيَّة. واقتحم أعضاء بعض الكَنَائِس كنائس أخرى ودمَّروا وحرقوا ما هو مقدَّسٌ لدى الآخرين. حقاً لا يمكن رسم الله وما في العالم غير المنظور. وكلّ رسم لله إهانةٌ له وتشويهٌ وتجديفٌ على جلاله. وصُوَر المَلاَئِكَة القِدِّيْسِيْن هي غالباً تقاليد مبتذَلةٌ ورخيصةٌ. الله أمجد وأقدس ممَّا نتصوَّر، ويختلف تماماً عمَّا يرسمه الإِنْسَان. ولا تُستثنى مِن ذلك حتَّى صوَر الرَّسام "مايكل أنجلو" الرائعة.

نجد في الكِتَاب المُقَدَّس طريقتين يعلن بهما الله نفسَه للناس، أوَّلاً: بمجرَّد الكَلِمَة الَّتي يقولها للسَّامع، وثانياً: بالرُّؤية الرُّوحانية الَّتي يُريها للبصر. وقد أعلن الرَّبّ عَن نفسه في العَهْد القَدِيْم غالباً بواسطة كلمته، ونادراً بواسطة ظهوره. ولكنَّ الله الرَّحِيْم لم يستخدم الكَلِمَة وحدها لإعلان نفسه، بل قدَّم صورته المنظورة في رؤية روحية أيضاً للموهوبين بالبصيرة. وحيثما ظهر ابن الله بمجده لرسله سقطوا أرضاً كالأموات، لأنَّ القَدَاسَة الإِلَهِيَّة تدين نجاسةَ الإِنْسَان. أمَّا كلّ الَّذين رأوا رؤىً فكانت تنقصهم الكلمات للتَّعبير عمَّا رأوه، ووصفوا حقيقة ما رأوه بالتَّشبيه.


٠٢.٠٤ - مكافحة عبادة الصُّوَر والتَّماثيل

مَن يمعن الفكر في الوَصِيَّة الثَّانِيَة يُلاحِظ أنّها لا تُحرِّمُ عَرضَ الله بالرُّسوم فحسب، بل تُحذِّرُنا مِن كلّ نوع مِن عبادة الأوثان. مَن يكرم أو يعبد آلهة أخرى أو تماثيل أو منحوتات أو أَصْنَاماً أو منقوشات إلى جانب الله يقع في حموّ غضبه.

أُقيمَت في عصر أنبياء العَهْد القَدِيْم، على قمم الجبال في الشرق الأدنى، تماثيل برّاقة منحوتة مِن الصخور بالحجم الطبيعي للعبادة الجماعية. وبالإضافة إلى ذلك الإثم نُصبَت في البيوت أَصْنَام مِن الخشب أو الحجر أو الفضة أو الذهب، صُنعَت بمهارةٍ بالغة. وكانت حياة البشر تحت تأثير الآلهة المصنوعة بالأيدي الَّتي خَلقَت في عُبَّادها الخوفَ مِن الأَرْوَاح والجنّ، وجعلتهم في أشدِّ الحاجة إلى العرَّافين والسَّحَرة، لأنَّ الأَصْنَام البكماء الميتة لا تتكلّم. وحيثما لا يؤمن الإِنْسَان بالله الحيِّ الحَقِيْقِيّ يفتح لربه الأمين البابَ لانصرافه، فتتدافع الآلهة النَّجسة مِن الأبواب الجانبية وتنقضُّ عليه، ولا حول له ولا قوَّة أمامها. واجتمع اليونانيون في زمن المَسِيْح أمامَ آلهتهم لاحتفالات صاخبة وحفلات ماجنة فاجرة. كما فعل أهل مصر والآشوريون وسُكان بابل سابقاً. وقد شَنَّ موسى وأنبياءُ العَهْد القَدِيْم حرباً عنيفةً على عبادة الآلهة المصنوعة بأيدي البشر، ولم يرحموا أَصْنَام السُّكان الأصليين ولا تماثيل نساء الملوك اللواتي أحضَرن معهن عبادةَ الأَصْنَام الموروثة مِن الفينيقيين.

ويمكن اليوم مشاهدة التماثيل الَّتي تزن بالأطنان في متاحف القاهرة وبغداد وبيروت الَّتي لعنَها الأنبياءُ قديماً. وهنالك الجَمَاهِيْر الغفيرة مِن السُّيَّاح الَّذين يعجبون بها ويلتقطون صوراً تذكارية لها. وإنَّ أحذيةَ الزُّوَّار الأوروبيين والأمريكيين تُتلِف أدراجَ "الأكروبوليس" ودرجات قبور الملوك في الأقصر أَكْثَر مِمَّا كانت تُتلفها أحذيةُ اليونانيين والمصريين القدماء. يُعجَب الناس بمحاولة استحضار عالم الغَيب إلى العالم المرئي أَكْثَر مِمَّا يجذبهم مجرَّد الكرازة بالكَلِمَة. يريد الإِنْسَان أن يُبصِر ما هو غير منظور، لأنّه لا يفهم ولا يدرك إلا المنظور والملموس. لذلك يُشكِّل التلفزيون تحدِّياً خاصّاً للوصيَّة الثَّانِيَة.


٠٣.٠٤ - تحريم الصُّوَر عند اليهود والمُسْلِمِيْن

لقد دخل التلفزيون وأفلام الفيديو والمجلات إلى الشعوب السَّاميَّة مثل موكب النصر، رغم تحريم الصُّوَر في العالم الإِسْلاَمِيّ مدة ١٣٥٠ سنة. وكان الفنّ الفريد الَّذي استُثني مِن هذا التحريم هو فنّ الزخرفة في الطراز العربي، الَّذي يَظهر في مجالات الثقافة الإِسْلاَمِيّة في السعودية وفي مساجد الصين كما في قصور المغرب، حتَّى في كازاخستان أو في أفريقيا الجنوبية. ويَعكس الرسمُ بدون صُوَرٍ، في الأشكال الهندسية على الورق والنقش على الخشب والمعدن والحجر، تأثيرَ الوَصِيَّة الثَّانِيَة في المُسْلِمِيْن.

إنَّ السَّجاد الشَّرقي الَّذي يُمثِّلُ عادةً في زخرفته جنَّة الفِرْدَوْس قد احتلَّ بلدان العالم كلّها. غير أنَّ تشابك التَّطورات العصرية بالمَفْهُوْم الإِسْلاَمِيّ أنبتَ أثماراً غريبةً في المملكة السعودية. فهناك تجد عند ممرات عبور المشاة لوحاتٍ رُسِمَت عليها هيئةُ إنسانٍ يسير بدون رأس، لأنّه لا يجوز رسم رأسه حَتَّى اليوم.

أمَّا المُسْلِمُون في إيران أو الهند أو تركيا فإنّهم لم يتقيَّدوا بتحريم الصُّوَر المنصوص عليها في القُرْآن تحريماً قاطعاً، فرسموا مُحَمَّداً والملاك جبرائيل شكلياً. هذا ما لا يزال محرَّماً عند المُسْلِمِيْن العرب إلى هذا اليوم. وعندما أنتج أحد البُلْدَان العربية فيلماً عن حياة مُحَمَّد لم يُظهِروا صورته قَطّ، بل أُخرج الفيلم وكأنَّ مُحَمَّداً، في كلّ مَشاهِد الفيلم، يرى بعينيه وينطق بلسانه، ولكن دون إظهار صورته على الشَّاشَة. ينبغي أن تتحفَّظ دورُ نشر الأفلام المَسِيْحِيَّة المنْوي إرسالها إلى العالم الإِسْلاَمِيّ تحفُّظاً تامّاً عند رَسم رُسُل الله والمَلاَئِكَة والمَسِيْح.

وقد طبَّق اليهود الوَصِيَّة الثَّانِيَة القاضية بمنع رسم الله تطبيقاً تاماً. فعندما احتلَّ تيطس القائد الروماني مدينةَ القدس سنة ٧٠م، ودخل الهيكل، تقدّم إلى قدس الأقداس منتظراً أن يجد فيه تمثالاً ذهبياً وأوانٍ ثمينةً، ولكنَّه وقف خائب الأمل ومصدوماً عندما لم يرَ ما كان يتوقَّع أن يراه. كان قدسُ الأقداس خالياً تماماً، لأنَّ الله روحٌ، وليس مادَّةً. ولا يمكن حصره في صورةٍ أو تمثالٍ.


٠٤.٠٤ - هَل صُوَر المَسِيْح مخالفةٌ للكتاب المقدَّس؟

يَفهم المَسِيْحِيُّون الوَصِيَّة الثَّانِيَة عادةً بغير ما يفهمها اليهود والمُسْلِمُون. لقد أصبح المَسِيْح في الميلاد إنساناً، وبذلك صار ظاهراً للعيان. واستحق يَسُوْع الإعلان الفريد: "الَّذي رآني فقد رأى الآب" (يُوْحَنَّا١٤: ٩). ففيه تمّ بلوغ هدف الخلق، إذ "خلق الله الإِنْسَان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكراً وأنثى خلقهم" (تكوين١: ٢٧). فآدم وحواء دُعي كلاهما أن يمثّلا صورة الله. ويعكس وجه الإِنْسَان حتَّى اليوم بقيَّة المجد مِن سمو الله.

لنا الامْتِيَاز أن نفرح بالخليقة، ونرسم الأزهار والحيوانات والناس، ولكن لا يجوز أن نؤلهها أو نعبدها. المخلوق يبقى مخلُوْقَا ولا يليق أن نعتبره خالقاً. إنّما صورة الله في الإِنْسَان تشوّهت بعد السقوط في الخَطِيْئَة، حيث عمّ الشَّر عالمنا. وأمَّا يَسُوْع، آدمُ الثاني، فقد أعاد بشخصه صورةَ الله إلى الإِنْسَان. والرَّسُوْل بُوْلُس اعترف جهراً بأنّه: "صورة الله غير المنظور" (كُوْلُوْسِّي ١: ١٥).٠

وُلد يَسُوْع ومات، وقام لأجل تبرير الجميع. ولذلك يحقُّ لنا أن نرسمه كزنجيّ أو صيني أو هندي أو أوروبي أو ساميّ. فهو، على مدى الأزمان، صورةُ الله الأصلية في هيئة إنسان. وليست محبّته وفرحه وسلامه وصبره نظريَّاتٍ وهميَّة، بل حقيقة ملموسة.

في المَسِيْح اقترب الله مِنَّا. وهو لم يأتِ إلينا بهيئةٍ مخيفةٍ كإلهة الهند "كالي" القاتلة، بل كحَمَلٍ وديعٍ، استعدَّ أن يحتمل غضب الله عوضاً عنا، ويموت لأجل خلاصنا لنحيا معه إلى الأبد. وقد غرس فكرة التضحية في قلوبنا، فأصبح الصَّلِيْب رمزَ المَحَبَّة الإِلَهِيَّة الَّذي لا يفنى. وتُوِّجَتْ قيامةُ المَسِيْح بظهوره، حيثُ ظهر جسدُه الرُّوحي للعيان، وطَلَب مِن تلاميذه أن يجسّوه. فلْنُدرِك جميعنا أنَّ وقتَ الابتعاد عن الله قد انتهى وتجلّت صورته في المَسِيْح أمامَنا (لُوْقَا ٢٤: ٣٩).٠


٠٥.٠٤ - صورة المَسِيْح في أتباعه

ملأ يَسُوْع قلوب تلاميذه بروحه اللطيف، لتَظهر فيهم محبَّةُ الله وقداسته ومسرَّته. وقد دعانا لنُظهِر صورة الله في وسط عالمٍ مشحونٍ بالبغض والموت. ومنَحَنا الامْتِيَاز أن نكون "رسالة المَسِيْح" المكتوبة في تصرُّفاتنا مع عائلاتنا وعند جيراننا وأصدقائنا. لقد وضع يَسُوْع صورتَه فينا، لنصبح صورةً تعكس فضائله.

مَن يلتقي بأتباع المَسِيْح النشيطين في أفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا يرى ويدرك سريعاً بأنَّ نورَ سلام المَسِيْح يسطع مِن وجوههم. وحيث يَسكن روحُ المَصْلُوْب والمقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ في قلب إنسانٍ، فقيراً كان أم غنيّاً، عالماً أم جاهلاً، صغيراً أم كبيراً في السن، يعكس ضياء العالم السَّمَاوِيّ. لا يجوز تقسيم البشر إلى فُقَرَاء وأَغْنِيَاء، اشْتِرَاكِيّين ورَأسمَالِيّين فحسب، بل إلى مولودين ثانيةً وأموات في الخطايا، حيث يفصل بينهما خيطٌ رفيعٌ إلى الأبد. وكلّما وجد المَسِيْح له مسكناً في حياة إنسانٍ تُصبح حياةُ الله ملموسةً وظاهرةً للعيان.

مِن مبادئ الرُّوْح القُدُس أن لا يعظِّم نفسَه، بل المَسِيْح مَصْلُوْباً وحَيّاً. لذلك لا يُبرِز أتباع يَسُوْع أنفسَهم ولا يَستكبرون، بل على العكس فإنّهم يُقدِّمون العظمةَ والمجدَ للحَمَل المذبوح لأجلهم. وهكذا تحتجُّ مريمُ أم يَسُوْع وجميعُ القِدِّيْسِيْن بشِدَّةٍ على إبراز تماثيلهم وصُوَرهم، ولا يريدون أن يَظهروا على المذابح أو في البيوت عِوَضاً عن المَصْلُوْب. ليس أحدٌ صالحاً إلاّ الله. وأمَّا نحن فقد نِلنا تبريرنا وقداستنا بالنِّعمة فقط. لذلك يعارض الكِتَاب المُقَدَّس كلّ مَن يُصلِّي إلى مريم والقِدِّيْسِيْن ويَطلب شفاعتَهم. فمَن يفعل ذلك يكسر الوَصِيَّة الثَّانِيَة، ولا يضع ثقته في وحدة الثَّالُوْث وحده، بل يوزِّعها بين الله ومخلُوْقَاته الزَّمنية. لا صورة ولا تمثال ولا أثر تذكاري ولا عظام قديس مُتَوَفَّى تَقدِر أن تأتي بعجائب أو تمنح قوى شافية، بل الله وحده يُخلِّصُنا بابنه يَسُوْع المَسِيْح. إنَّ الأَصْنَام في الكَنَائِس رجسٌ عند الرَّبّ. تقوم في العَهْد الجَدِيْد شركةٌ مِن علاقة الآب والابن والرُّوْح القُدُس وبواسطته بأَتباع يَسُوْع. والضمان لهذه العلاقة هو موت يَسُوْع الكَفَّارِيّ، وخدمته الكهنوتية المستمرة عن يمين الآب. لقد فتح الابنُ لنا طريقاً مباشَراً إلى أبيه السَّمَاوِيّ. ومَن لا يقبل هذا الامْتِيَاز لا يثق بالله حقاً. لأننا قد نلنا مِن الآب وابنه النِّعمةَ والبِرَّ والمغفرة والروح والحَيَاة. لذلك يحقُّ شكرنا وتكريمنا وعبادتنا لله الثَّالُوْث الواحد دون غيره.


٠٦.٠٤ - غَيرةُ الله

تنعكس الهوّة السحيقة القائمة بين المرتبطين بالله حقاً وهؤلاء الَّذين ابتعدوا عنه في الوعد بالبركة والتهديد بالقصاص حسب الوَصِيَّة الثَّانِيَة. يُعرِّف الخالق نفسَه مرَّةً أخرى بعبارة "أنا" بصفته شخصاً حياً له إرادةٌ وكلام. إنّه يشدد ويؤكِّد لنا بأنّه الرَّبّ الأمين الَّذي يُدير ويضبط كلّ شيء. قد ارتبط بنا بعهد أبدي، وينتظر منَّا الأمانة نفسها وتسليمنا الكلي له.

يَسهر الله بغيرة على محبّتنا له. ولا يقبل أن نرتبط بصنم، أو مؤسِّس دين، أو زعيم دولة، أو بذهب أو فضة، أو بكاشف غيب عند تسليمنا له. هو الله وحده، لا مخلِّص غيره.


٠٧.٠٤ - مُبغِضو الله يسقطون

ويلٌ للَّذين يحتقرون محبَّة الله أو يرفضونها عمداً أو يتجاهلونها. إنّهم يشبهون الغصن الَّذي انفصل عن الكرمة فجفَّ ولم يَعُد يعطي ثمراً. أولئك أصبح مآلهم النار الأبدية. مَن لا يثبت في الله يقترف الخِيَانَة الرُّوْحِيَّة، لأنّه يكرِّس نفسَه لروحٍ أخرى أو لصنم أو لحزب دون الله، أو يجعل نفسه إلهاً صغيراً. الله لا يقاسِم أحداً مجدَه. لا يوجد خالقٌ سواه، ولا قاضٍ على الزمان الحاضر والعتيد إلاّه.

مَن لا يتّجه نحو الله الحَقِيْقِيّ، بل ينظر إلى أربابٍ أخرى، أو إلى نفسه وكأنّه هو محور الكُلّ، يتكبّر ويقسّي قلبه تجاه محبَّة خالقه. ويصبح هذا الإِنْسَان قاسياً وشريراً، ويستغل الآخرين عوضاً عن أن يخدمهم. مَن لا يحبّ الله لا يحبّ قريبه أيضاً، ولا يقدر أن يحكم على العالم ومَشَاكِله بعدلٍ، إذ ينقصه القياس الحَقِيْقِيّ. ينعدم ضميره، وينحطّ خلقه، ويصبح أبشع مِن الحيوان في كفاحه القاسي فِيْ سَبِيْلِ البقاء.

الله يتراجع عن الَّذين يصرّون على الانْفِصَال عنه رغم نصائحه الكثيرة وإقامة الأدلة الواضحة على محبّته، فيسقطون. ويُسلّمهم إلى شهوات قلوبهم ليُهلكوا أنفسَهم، على مثال الملك شاول ويهوذا الإسخريوطي. وينطبق مبدأ هذه الدَّيْنُونَة على الفرد كما على العَائِلَة والشعوب بأكملها. ويتأثّر الوالدان عادةً مِن الرُّوح المُضِل الَّذي يُمكن أن يتسلَّط على أحدهما، فيَستحسن أَوْلاَدهما قبول هذه الأَفْكَار المضِلّة. وهكذا ينتقل الكفر والإلحاد مِن جيل إلى جيل. فالعَائِلَة الَّتي يسودها البخل أو الحسد تتطبَّع بطابعها الخاص. ولا فرق إن تأثَّر الجو العائلي بأَفْكَار الفَلْسَفَة الإِنْسَانِيّة السَّطحيَّة، أو بالإلحاد الاشْتِرَاكِيّ. ينعكس جو البيت أحياناً في تصرف الأَوْلاَد. وترزح بعض العائلات تحت عبْء الارْتِبَاطَات الثقيلة، وخاصة إن كانت هي أو أجدادها قد اقترفت إثماً بمحاولة كشف الغيب أو الاِتِّصَال بالموتى لتنال إرشاداً أو شفاءً بدون يَسُوْع، أو لتشتري الحماية والنّبوءة مِمَّن يتَّصلون بالأَرْوَاح. لا يوافق المَسِيْح على هذه المحاولات الشِّرِّيْرة والممارسات الأثيمة، بل يرفضها إلى الأبد. ولكنّه بالوقت عينه لا يرفض أقبح خاطئ نادم، بل يقبله بفرح لأنّه مات لأجله أيضاً وتقبل اللعنة الَّتي حلّت عليه. مَن يؤمن بالابن يتحرّر مِن استعباد روح العَشِيْرَة، وينفكّ مِن كلّ القُيُوْد الشَّيْطَانيَّة، كما قال يَسُوْع: "فإن حرَّركم الابن فبالحقيقة تكونون أحراراً" (يُوْحَنَّا ٨: ٣٦). إنَّ سلطة المَسِيْح تفوق إدراكنا وتستطيع فكَّ كل القُيُوْد الشَّيْطَانية.

يُعرِّفنا الله بأنَّ قَسَاوَة قلب العَائِلَة وقصاصها قد يمتدَّا إلى الجيل الثالث والرابع، إنْ لم تحدث توبةٌ نصوح، ويَرجعْ أفرادُ العَائِلَة إلى الله. فالبالغون والأَوْلاَد هُم، في كثير مِن الأحيان، نتيجةٌ سلبيَّةٌ لسلسلة أجداد ملحدين. ينبغي لنا ألاّ ندين حتَّى الفاسد بقَسَاوَة القلب، بل أن نسعى لنفهم خلفيته ونحبّه. هنالك مُسْلِمُون ويهود أيضاً مطبوعون بطابع تعاليم أجدادهم المضادة لابن الله ويعيشون في تقيّد جماعي إلزامي. ولكن حيثما يريد إنسان أن يتخلّص مِن قوَّات موروثة وضاغطة عليه، يقدر أن يتخلى باسم يَسُوْع عن ارْتِبَاطَات حضارته. وعندما نترك حماية عائلاتنا وضمان وطننا لأجل يَسُوْع نرى أن الله هو أبونا ويتسلّم مَسْؤُوْلِيَّة مستقبلنا، وينادينا: "أنا الرَّبّ إلهك، أبوك الحنون. لقد فديتك، دعوتك باسمك، أنت لي. تمسَّك بي، وتخلَّ عن ارْتِبَاطَاتك السَّيئة نهائياً. آمن بأمانتي وثِق بقدرتي، فتبقَ آمِناً إلى أبد الآبدين.


٠٨.٠٤ - مُحِبُّو الله يختبرون تدفُّق البَرَكة

مَن يكرم الله ويحبّه يتعمَّق في كلمته باستمرار، ويحيا مِن قوَّته. ومَن أدرك وُسع جودة الله يشكره على نجاته ونعمته وصبره. وتظهر في الشُّكْر محبّتنا لله بأكثر بيان. ويجد الشاكر في كلمة الله يوماً فيوماً كنوزاً وقوى وبركات وتوجيهات تتعلق بأسئلته اليَوْمِيّة. ما عسانا أن نفكر بعروس استلمت رسالة مِن عريسها وتركتها مغلقةً ونسيتها؟ نقول: "إنّها لا تحبّ عريسها". أمَّا العروس المخْلصة فتنتظر بفارغ الصبر رسائل حبيبها، ومتى استلمَت رسالةً منه تفتحها بسرعة وتقرأها مرات عديدة وتُمْعن النظر في عبارات معيّنة، وتطبعها في ذاكرتها. عندما نحبّ الله نَدرس كتبَه، وكأنّها رسائل المحبوب موجّهة إلينا. نقرأها باستمرار، ونحفظ النصوص الأكثر أهمية عن ظهر قلب. نملأ قلوبنا بكلمة الله، ونستمد منها القوَّة الَّتي تحدو بنا إلى إتمام مشيئة الله.

إنَّ رَبَّ وربَّة الأسرة اللذَين يُصلِّيان بإخلاص لأجل بيتهما، يجعلان بركة يَسُوْع الدائمة تحلّ على أفراد عائلتِهما. فلا يَنشَأ أَوْلاَدهُما على الكفر أو اللامبالاة، بل يتلقّون أساساً سليماً وحكيماً لمستقبلهم. لا يَقدر أبٌ أن يُرغم أَوْلاَده على قبول إيمانه، ناهيك عن محاولته طرد الخبث منهم بالضَّرب. ولكن قدوة الوالدين الحنونة تنطبع بعمق في الوعي الباطني مِن الجيل الصاعد. فيرسخ سلوكُ الوالدين في ذاكرة الأَوْلاَد أَكْثَر مِمَّا تَرسخ كلماتهم. وتتكلَّم عينا الأم أحياناً بصوتٍ أقوى مِن كلام فمها، وتُرافق محبَّتُها الأَوْلاَد إلى ما وراء اللَّحد.

يَعِدُ اللهُ محبِّيه ببركته إلى الجيل الألف. وهذا الوعد يمنح الوالدَين تعزيةً كبرى، إذ كان عليهما أن يربِّيا أَوْلاَدهما في وقت حافل بالتجارب والإلحاد. تخترق قوَّة محبَّة الله الظُّلمات الدامسة كما تخترق أشعَّة المنارة الظُّلمة في ليلة عاصفة. ولا شكَّ أنَّ الميراث الروحي يتضاعف في بيت الوالدَين المُؤمِنَيْن المُصَلِّيَيْن.

مَن حسب المدّة الَّتي يحويها الألف جيل؟ إن كنا نحدِّد الجيل الواحد بخمس وعشرين سنة يكون حاصل الضرب ٢٥٠٠٠ سنة، تترك فيها بركة الله أثراً بواسطة مؤمن واحد. أو إنْ كنا نفكر بعدد الأحفاد، وأحفاد الأحفاد في عَائِلَة كبيرة، نجد أنَّ عددهم يؤلّف جُمْهُوْراً كبيراً كالكتيبة العسكرية الرُّوْحِيَّة، يتبارك كلهم بواسطة زوجَين مؤمنَين. لقد أكَّد الرَّبّ لمحبيه أنَّ الإِنْسَان المؤمن يصبح يَنْبُوْع محبَّة الله يرتوي منه المئات مِن الظَّمأ. لا يدَّعي تابع يَسُوْع أنّه هو بنفسه يَنْبُوْع الخير، بل يدرك أنّه يشبه خط الأنابيب لنعمة الله، أو محطة المرور لقوَّته السَّرْمَدِيّة. يَهَبُ الرَّبّ مِن مِلئه لِكُلّ مَن اتّكل عليه نعمةً فوق نعمةٍ دون قَيد أو شرط.

مَن اختبر بنفسه الأثر الَّذي تركته بركة الوالدين، الجسديين أو الروحيين، في حياته الخاصّة ينظر إلى حضارات العالم بعين الاعتبار. ولَئِنْ أثَّرَت كلمةُ الله منذ مئات السنين في تفكير القرية أو المدينة أو الشعب، فلقد تحرَّر سكّانها لتقديم الشُّكْر، والعمل بمَسْؤُوْلِيَّة، وللعطاء والقنوع. ومتى طبع الله، بثالوثه الموَحَّد، ثقافةَ هؤلاء الناس بطابع روحه القُدُّوْس تتأثّر الأسرة والمَدَارِس والاقتصاد والسِّيَاسَة أَكْثَر مِمَّا يُدرك مَن نال هذه البركة.

ولكنَّ العكسَ يتحقَّق أيضاً، حيث تُظهِر إِلَهَةٌ منتقمةٌ وجهَها المُلَطَّخ بالدَّم بشكلٍ مُخيفٍ، كما نُشاهِد في الهند، أو حيث تُمارَسُ عبادةُ الأجداد، كما في أفريقيا، حيث تُلهِم عبادةُ الأَصْنَام والأَرْوَاح حَمْلَ الحُجُب الحاوية كلمات السِّحر للُوْقَاية مِن الشَّر. هنالك يتألّف مجتمعٌ يسوده الاستعباد والخوف وفقدان الثقة. وكثيراً ما يُلقى بكرامة المرأة في الوحل، إذ يتسلّط الرَّجل عليها بعنف. لقد أدَّى التَّناحُر الحاقد بين القبائل إلى التّخَلُّف عن ركب الحضارة والمدنيَّة، فأصبح الفُقَرَاء أشد فقراً والأَغْنِيَاء أكثر ثروة. مَن يدخل قريةً إسْلاَمِيَّة أو هندوسيةً أو مَسِيْحيةً لا بُدَّ له أن يشمَّ بسرعة جوَّ المكان، هذا الجوّ الَّذي يميِّزُه حتَّى الحيَوان، فيَعلَم مسبقاً هل سيُضرَب فيه بدون رحمة، ويُساق بوحشيّة، أم سيُعامَل برفْقٍ وهوادة.


٠٩.٠٤ - الخُلاَصَة: الفَصل الحاسِم

إنَّ بركة الآباء والأمهات المُؤْمِنِيْن ملموسةٌ وظاهرةٌ للعيان. وكثيراً ما يعود رخاء ويُسْر وفطنة الفرد أو العائلات إلى محبَّة الأجداد الأمينة لله، أولئك الأجداد الَّذين صلوا واشتغلوا باجتهاد، وقضَوا حياة محترمة قنوعة حتَّى شيخوختهم. وهنا يظهر مرة أخرى الخط الفاصل الَّذي يمتد في عالمنا، ويفصل الناس إلى فئتين: فئة محبّي الله، وفئة مبغضيه. فمَن يتّكل على الله الآب يرتاح في محبّته كطفل، يتغيّر إلى السلوك في هذه المَحَبَّة. ولكن مَن يقاوم محبَّة الله ويبتعد عنها يُقَسّي قلبه ويتجرَّد مِن الاستقامة. ليس بلا سبب تبرد محبَّة الكَثِيْرِيْن في آخر الأيام. مَن لا يرجع إلى الله حقاً يصبح يَنْبُوْع الخبث. لقد نشأت بسبب التمرّد على الله نظرياتٌ عالميةٌ خطيرةٌ حديثةٌ. كان "كارل ماركس" تقياً في أيام شبابه، ولكنْ عندما اختلط بكشف الغيب مع الاِتِّصَال بالأَرْوَاح أضلّ الملايين الَّذين اختاروا المادية الجامدة أساساً لحياتهم. ولن يتسنّى لأتباعه إقامة فِرْدَوْس العمَّال على الأرض، لأنّهم يرفعون قبضات أيديهم في وجه الله. مَن ينكر الله يَنْبُوْع المَحَبَّة والحَيَاة، ويؤلِّه أناساً بدلاً منه، يحيا في روح الحقد على الله، ويجمع غضب القُدُّوْس عليه إلى يوم الغضب.

www.Waters-of-Life.net

Page last modified on March 11, 2014, at 10:04 AM | powered by PmWiki (pmwiki-2.2.109)