Waters of Life

Biblical Studies in Multiple Languages

Search in "Arabic":
Home -- Arabic -- The Ten Commandments -- 12 Tenth Commandment: Do Not Covet Your Neigbor's House

Previous Lesson -- Next Lesson

الموضوع ٦ -- الوصايا العشر في خروج ٢٠
حَاجِز الله الوَاقِي مِن سُقوطِ الإِنْسَان

١٢ -- الوَصِيَّة العَاشِرَة: لاَ تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ



سفر الخروج ٢٠: ١٧
لاَ تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ. لاَ تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ وَلاَ عَبْدَهُ وَلاَ أَمَتَهُ وَلاَ ثَوْرَهُ وَلاَ حِمَارَهُ وَلاَ شَيْئاً مِمَّا لِقَرِيبِكَ.


٠١.١٢ - الإغراء الحَدِيْث

مَن يُشاهد البرامج التلفزيونية يقع في شباك الدعاية المغرية، ويرتوي مِن شعاراتها السَّلسة الَّتي لا تخدم سوى جيوب فئة من التُّجَّار والمتكسِّبين. يتأثَّر المتفرّج على غير شعور منه، ويُوَجَّه إلى شراء بضاعة فخمة، وعقد اتفاقات مع شركات التأمين، وارتداء الأزياء الحَدِيْثة، أو استعمال عطور ثمينة. تَعرض برامجُ الدعاية سلعاً عديدةً مِن معجون الأسنان إلى السيارة "المرسِيدِس"، ومِن الدِّعاية للسَّفر إلى البُلْدَان البعيدة إلى الشوكولاته والحلويات. تُعرَض هذه كلُّها وكأنّها أفضل وأهمّ مستلزمات الحياة، والأكثر اعتدالاً مِن جهة الثمن. ويمكن تلخيص فحوى برامج الدعاية هذه والإعلانات بالعبارة البسيطة التالية: "اشتَهِ، واشتَرِ كلَّ ما ليس بحوزتك بعد!". لا تنادي الدعاية بإنكار الذات، أو القناعة، أو التضحية لأجل الآخرين، بل تحفز المجتمع على التّهالُك على الكماليَّات قبل تأمين ضروريَّات المعيشة.

ظهرت في الصحف صورة كاريكاتورية لولدٍ غارقٍ حتَّى أُذُنَيْه في بحر مِن اللُّعَب، والكرات الملوَّنة، والسيارات، والآلات الرافعة، والدِّبَبَة القُماشيَّة، والدّمى، والأحذية ذوات العجلات. كان الولد يملك كل ما تشتهيه نفسه. لم يتمنَّ شيئاً إلاَّ وقد ناله. لكنَّه كان متثاقلاً وخائراً وفاتراً. إنَّه عيِّنةٌ مِن مجتمع تسوده الرفاهية، فطلباته لا تنتهي بالرغَّم مِن الهدايا الَّتي يغدقها عليه أقاربه باستمرار. يا له من ولد مسكين! لقد غرق في ثروة عالم طفولته.

اتّخذ المجتمع الاستهلاكيّ في الدول الصناعية موقفاً مضاداً للوصية العَاشِرَة. إنّه ليس مِن المستغرَب أن يشتغل الرجل والمرأة سنيناً طويلة بجد وكد، ليشتريا لهما الشقة المنشودة ليسكنا فيها. ولكن المثل الألماني اللاذع: "اشتغل، اشتغل ابنِ بيتاً فاهلك موتاً" يرينا كيف أن المبالغة في العمل كثيراً ما تفوق قدرات العَائِلَة. وإن ساهمت المرأة في العمل يُهمَل الأَوْلاَد وتُرهَق الأعصاب. ويُنتظر مِن ارتشاف القهوة أن يهوّن الأمر على التعب. والنتيجة هي خواءٌ داخليٌّ، وديونٌ باهظةٌ، ومشاجرةٌ في البيت، لأنَّ العَائِلَة تصرف أكثر مِن دخلها، وتعيش فوق مستواها وطاقتها.


٠٢.١٢ - هل تناسب الملكية؟

قال يَسُوْع في هذا الصدد: "ماذا ينتفع الإِنْسَان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟" (متَّى ١٦: ٢٦). وقال أيضاً: "مَن أراد أن يخلّص نفسه يُهلكها. ومَن يُهلك نفسه مِنْ أَجْلِي ومِنْ أَجْلِ الإِنْجِيْل فهو يخلِّصها" (مَرْقُس ٨: ٣٥). إنَّ مَن شاهد في الحرب كيف تُدَمِّرُ قنبلةٌ واحدةٌ، في لحظةٍ واحدةٍ، بناءً مِن ثمانية طوابق بكل ما فيه، يُدرِك، دون شكٍّ، أنَّ البيوت، والأثاث، والفخامة هي ترابٌ. خسر الملايين مِن اللاجئين كلَّ ما كان عندهم. والَّذي كان يملك بيتاً أو عقاراً، في بلد شيوعي، كانت تُفرَض عليه ضرائب تفوق ثمن هذا الملك، حتَّى أصبح وضعه المادي أسوأ مِن وضع الَّذي لا يملك شيئاً. يريد الله، بإعادة تقويم كل القيم، أن يعيدنا إليه، ويمنحنا نظرة صائبة إلى الأمور الجوهرية. إنَّ الحَقَائِق الرُّوْحِيَّة أهمُّ جداً مِن الممتلَكات المادية.

ليت الَّذين يقتسمون ميراثاً فيما بينهم يكتسبون هذه البصيرة. لأنّه لا يجدي نفعاً أن تقام عداوة بين الورثة بسبب المال والممتلكات. قال يَسُوْع: "مَن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضاً" (متَّى ٥: ٤٠). "مُبارَكٌ العطاء أكثر مِن الأخذ": هذا مبدأ في اتِّبَاعِ يَسُوْع. إنّه خِداعٌ خبيثٌ أن يستحوذ أحدٌ على ممتلَكات غيره بالمكر والخداع. مَن يزيّف وثائق، أو يَستغل جهالة إنسان بسيط، ينل جزاءه، ويحلّ عليه غضب الله، لأن الله أبو الأرامل واليتامى والقاصرين.


٠٣.١٢ - إغراءُ النَّاس وتَضلِيلُهم

لا تستهدف الوَصِيَّة العَاشِرَة اكتساب وتملك العقارات والممتلكات غير المنقولة فحسب، بل تحرّم أيضاً إغراء العاملين والخدَّام أو الأصدقاء مِن غير هوادة. ينبغي ألا نستغل امتعاضهم مِن المدير، أو وقوعهم في أزمة العمل، أو في مَشَاكِل عائلية، لنجذبهم إلى جانبنا، بل علينا أن نحثَّهم على البقاء والأمانة في محلّ عملهم، حتَّى ولو أكسبهم وأكسبنا تغيير محلّ عملهم امْتِيَازات خاصة. يجب مراعاة الوَصِيَّة العَاشِرَة أيضاً في رحاب الكَنَائِس، والجَمْعِيَّات الرُّوْحِيَّة، والمَدَارِس، أو المُنَظَّمَات، لأنَّ الإغراء لا يجلب بركة.

تكون النتائج أشدّ خطورةً إذا تدخَّل أحدٌ في شؤون عَائِلَة ما، وأُغريَ الرجل أو المرأة بتفكيك أوصال الحَيَاة العائلية الَّتي منحهما الله إيَّاها. فلا الرغبة في التغيير، ولا سوء التفاهم مهما بلغت شدَّته، ولا الخصام يبرِّر خطوةً مؤلمةً وقاطعةً كهذه. "الَّذي جمعه الله لا يفرقه إنسان" . ولكن مَن تسبَّب في افتراق زوجين، أو اشتغل في شركة شهوانية، فليرجع إلى الله فوراً ويهتدِ ويتدرب على القناعة، وضبط النَّفس، وحمل المَسْؤُوْلِيَّة بالمَحَبَّة والخدمة المتبادلة باسم الله. عِنْدَئِذٍ يكون لحياته المعنى السليم والهدف المرجو، فلا يُمارِس بعد أيَّ نوعٍ مِن الخطايا نتيجة الملل، أو البطالة والكسل. إِنَّ مَن يرجع إلى المَسِيْح لا يفكِّر، ولا يَقْبَل أن يزني، أو أن يخون زوجته في غيابها، (وكذلك الزوجة في غياب زوجها)، بل تحلّ فيه، عوضاً عن الشهوة والفساد، العفَّة، والمَحَبَّة، والاكتفاء بشريكة حياته.


٤.١٢ - ما هو سبب شَهوتنا

تتحدث الوَصِيَّة العَاشِرَة عن جميع المشتهيات مِن منقولة وغير منقولة، بما فيها الإِنْسَان نفسه والحيوان. ونضيف اليوم إلى هذه القائمة: السيارات، والجرارات، والآلات الموسيقية، وماكينات الغسيل، والبرادات (الثلاجات)، والثياب الفاخرة. يظن المرء أنّه ينبغي أن يكون له ما لغيره. وأن مستوى المعيشة المستمر في الارتفاع يزيد كرامته أكثر فأكثر. إنَّ الطموح في المساواة مع الآخرين يؤدِّي بالكَثِيْرِيْن إلى الفاقة والدَّمار. وتجد في العالم الثالث ماكينات حديثة وثمينة واقفة متناثرة لا تستخدم، إمَّا لأن قطع الغيار مفقودة، أو لأنّه لا يوجد مَن يستخدم هذه الآلات الدَّقيقة الحسَّاسة حسب الأصول. لقد عرف رسل المَسِيْح لماذا شدَّدوا على المُؤْمِنِيْن أن يكتفوا بما عندهم، وأن يتحرَّروا مِن محبَّة المال والحسد والطمع، لئلا يقعوا تحت وطأة الدَّيْن، وهموم النَّفْس والجسد. وعلاوةً على ذلك، قال يَسُوْع: "مَن أراد أن يكون فيكم عظيماً فليكن لكم خادماً. ومَن أراد أن يكون فيكم أوَّلاً فلْيَكن لكم عبداً" (متَّى ٢٠: ٢٦-٢٧).٠

تعرف جماعة يَسُوْع إعادة تقويم القِيَم بمختلف أنواعها. كل ما هو عظيمٌ في العالم هو مكرهةٌ عند الله. لقد صلَّى يَسُوْع هكذا: "أحمدك أيُّها الآب ربّ السماء والأرض، لأنَّك أخفَيْت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال. نعم أيها الآب، لأن هكذا صارت المسرَّة أمامك..."تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثَّقيلي الأحمال وأنا أريحكم. احملوا نيري عليكم، وتعلّموا مني، لأني وديعٌ ومُتَوَاضِع القلب. فتجدوا راحةً لنفوسكم. لأنَّ نيري هيّنٌ، وحملي خفيفٌ" (متَّى ١١: ٢٥-٣٠).٠

كتب الرَّسُوْل بُوْلُس أنَّ الله سيحبط الغرور والغطرسة، حيث كان القليلون مِن العظماء والأَغْنِيَاء والوجهاء ينتمون إلى الكَنِيْسَة في كُوْرِنْثُوْس. وتغيير أهداف الحَيَاة، وتجديد القلب أعطَيا المَسِيْحِيِّيْن الأوائل معنى جديداً لوجودهم وكيانهم.

إنَّ الوَصِيَّة العَاشِرَة لا تحرّم الأفعال الشِّرِّيْرة والحقيرة فحسب، بل تدين أوَّلاً نِيَّاتِنَا الخفيّة ومقاصدنا المستترة. تستطيع المحكمة أن تلاحظ أفعال الشعب إلى حدٍّ ما وتعاقب مرتكبي الجرائم. أمَّا قلب الإِنْسَان فلا يعرفه إلا الله وحده. وحتَّى نحن لا نعرف فؤادنا تماماً، ولا نفهم أسباب تصرفات إخوتنا فهماً صحيحاً. وكثيراً ما نكون لغزاً حتَّى لأنفسنا. يقول الكِتَاب المُقَدَّس: "إنَّ كلَّ تصوُّر أَفْكَار قلب الإِنْسَان إنما هو شريرٌ كل يوم" (التكوين ٦: ٥). وإن قِسنا أنفسنا بقَدَاسَة يَسُوْع نجد أنفسنا نجسين ودنسين وفاسدين. "الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله" (رومية٣: ٢٣). وهذا ينطبق أيضاً على الطفل الَّذي يريد أن يُنفّذ إرادته بالصراخ المستمر. يُلاحِظ مَن له أَوْلاَدٌ كيف أنّهم يستغلّون ويغبنون بعضهم بعضاً، ويوقِعون باحتيالٍ الواحد للآخَر. مَن يفتح عينيه بحقيقة الخَطِيْئَة الوراثية في أَوْلاَدنا سيرفض حتماً النظرية السَّطحية بأنًَّ الأَوْلاَد أبرياء . والطفل الناشئ يعرف من قبل الشهوة والعناد وتنفيذ المراد دون هوادة. هنالك فرقٌ بين فكر شرير وتنفيذه، بين قصدٍ خيالي وبين ظلمٍ وقع لأحد سهواً. لا يَقدر إنسانٌ أن يُجنّب نفسَه التجربة، ولكننا نملك كخاصَّة يَسُوْع قوَّة الإرادة لمقاومة التجربة. قال "لوثر" بهذا الصدد: "لا أقدر أن أمنع الطيور مِن أن تحلّق فوق رأسي، ولكن أقدر أن أمنعها مِن أن تُعشِّش في رأسي".

ينبغي أن نلاحظ التجربة منذ البداية، ونستنكرها فوراً فنتغلَّب عليها. كتب الرَّسُوْل بُوْلُس مراراً عبارة "حاشا لي" وأراد أن يقول بذلك: "لا ولن ينشأ فيَّ هذا الفكر" . لقد حلّل الرَّسُوْل يعقوب أصل التَّجربة، وكتب في الأصحاح الأوَّل أنّها ليست مِن قِبَل الله، لأنَّ الله لا يُجرِّب أحَداً بالشُّرور. ولكن كل واحد يُجرّب إذا انجذب وانخدع مِن شهوته الخاصة المتمركزة في دمه ولحمه. والشَّهوة إذا حبلت تلد خطيئة، والخَطِيْئَة تُنتِج عبوديةً وموتاً. واستمرّ الرَّسُوْل قائلاً: "لا تضلّوا يا إخوتي الأحباء. كل عطيَّة صالحة، وكل موهبة تامَّة هي مِن فوق، نازلة مِن عند أبي الأنوار، الَّذي ليس عنده تغيير، ولا ظل دوران. شاء فولدنا بكلمة الحقّ، لكي نكون باكورة مِن خلائقه" (يعقوب ١: ١٧).٠

يليق بالمؤمن أن يدع كلمة الله تقوِّم يَوْمِيّاً رغباته، وأهدافه، ونِيَّاته، وآماله وتصلحها؛ ويَطلب إلى يَسُوْع أن يغفر له أَفْكَاره الشِّرِّيْرة، ويقويه على التغلُّب على عناده كلياً. يتوقَّف التغلُّب على الأَفْكَار الدَّنسة، الخالية مِن المَحَبَّة، على تسليمنا الكلي إلى يَسُوْع، ونعمته السَّرْمَدِيّة، فنصلِّي بثقة: "لا تُدخِلنا في تجربة، لكن نجنا مِن الشِّرِّيْر" . لقد تيقَّن المَسِيْحِيُّون بمغفرة خطاياهم، مؤمنين بدم المَسِيْح، ومتمسِّكين ببرّه الموهوب لهم مجاناً. فينبغي لهم ألاَّ يخطئوا عمداً فيما بعد، ولا يعارضوا حلول نعمة الله فيهم. يَدفعنا الرُّوْح القُدُس إلى تقديس أَفْكَارنا وبواعثنا وميولنا.

يريد يَسُوْع أن يكون سيِّداً وظافراً في نِيَّاتِ قلوبنا جميعاً، ويَقصد أن يقودنا إلى المعركة على الحَيَاة أو الموت ويحمينا فيها. ليس هذا الجِهَاد كفاحاً ضدَّ شعبٍ أو فرد،ٍ بل كفاحاً مستمراً ضِدَّ الأنا الضخم، وضِدَّ الخَطِيْئَة السَّاكنة فينا، و ضِدَّ التَّجربة الَّتي تهاجمنا مِن الخارج. لذلك نصلِّي: "أيها الرَّبّ الحي، والمخلِّص القدير، لا تسمح أن أقترب مِن هذه الخَطِيْئَة، بل نجني منها، واحفظني مِن الشرّ الَّذي يسكن فيّ، ولا تسمح أن يجد الشِّرِّيْر قوَّةً وحقّاً فيّ. امتلكني واسكن فِيَّ إلى الأبد، وطهّر نِيَّاتِي تطهيراً أبديّاً، وقَدِّسْني إلى التَّمام لأريد ما أنت تريد، وأعمل ما يَسُرُّك".


٠٥.١٢ - القلب الجَدِيْد والرُّوح الجَدِيْد

كُلُّ مَن يَدخل هذا الجِهَاد الروحي ضد أنانيته الشِّرِّيْرة يُدرك معنى كلمات يَسُوْع: "مِن القلب تخرج أَفْكَارٌ شرِّيرةٌ. فالأمر لا يتوقف على عدم ارتكاب أفعال شريرة، ولا على الجِهَاد ضد خطايا معيّنة فحسب، بل على أكثر مِن ذلك. نحتاج إلى قلب جديد، وفكر صافٍ، ووعي باطني طاهر. لذلك نَطلب إلى يَسُوْع أن ينفِّذ مقاصده بقوَّة روحه القدُّوس حتَّى تتقدس كلُّ أنحاء جسدنا ونفسنا وروحنا. يهدف إتمام الوَصِيَّة العَاشِرَة إلى الولادة الرُّوْحِيَّة للإنسان القَدِيْم، وتجديد أَفْكَاره وبواعثه وأفعاله كلها. لقد عانى النبي إِرْمِيَا كثيراً لأجل شعبه المتمرد، ونال الوعد الإلهي: "أجعل شريعتي في داخلهم، وأكتبها على قلوبهم. وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً. ولا يعلّمون بعد كلّ واحد صاحبه، وكلّ واحد أخاه قائلين: اعرفوا الرَّبّ، لأنّهم كلهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم، يقول الرَّبّ: لأني أصفح عن إثمهم ولا أذكر خطيئتهم بعد" (إِرْمِيَا ٣١: ٣٣-٣٤).٠

وقد أوحى الله للنبي حِزْقِيَال بالوعد عينه بعبارة أخرى، فقال: "وأعطيكم قلباً جديداً، وأجعل روحاً جديدة في داخلكم، وأنزع قلب الحجر مِن لحمكم، وأعطيكم قلب لحم. وأجعل روحي في داخلكم، تسلكون في فرائضي، وتحفظون أحكامي، وتعملون بها"(حِزْقِيَال ٣٦: ٢٦-٢٧).٠

وصلّى الملك النبي داود بجدّ، قبل هذه النبوات بثلاثمائة سنة حيث قال: "ارحمني يا الله حسب رحمتك. حسب كثرة رأفتك امحُ معاصيَّ. اغسلني كثيراً من إثمي، ومن خطيتي طهرني. لأني عارف بمعاصيَّ، وخطيئتي أمامي دائماً. إليك وحدك أخطأت، والشر قدام عينيك صنعت ... هأنذا بالإثم صُوِّرتُ وبالخَطِيْئَة حبلت بي أمِّي ... قلباً نقياً اخلق فيَّ يا الله، وروحاً مستقيماً جدِّد في داخلي. لا تطرحني مِن قدام وجهك، وروحك القُدُّوْس لا تنزعه مني. رُدَّ لي بهجة خلاصك، وبروح منتدبة اعضُدني" (مزمور ٥١: ١-١٤).٠

لقد تمم يَسُوْع المَسِيْح هذه النبوة حقاً وقال: "أنا هو نور العالم. مَن يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحَيَاة" (يُوْحَنَّا٨: ١٢). وقال أيضاً: "أنا الكرمة وأنتم الأغصان. الَّذي يثبت فيَّ وأنا فيه هذا يأتي بثمر كثير. لأنَّكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً" (يُوْحَنَّا ١٥: ٥).٠

أوضح يَسُوْع، عند بدء عمله، لنيقوديموس أحد نواب أمَّته هذه الحقيقة الرُّوْحِيَّة: "الحقّ الحقّ أقول لك إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى مَلَكُوْت الله" (يُوْحَنَّا ٣: ٣). وقال: "الحقّ الحقّ أقول لك، إن كان أحد لا يولد من الماء والروح فلا يدخل إلى مَلَكُوْت السَّمَاوَات" (يُوْحَنَّا ٣: ٥) وتشير عبارة "المعمودية بالماء والروح" أوَّلاً إلى معمودية التوبة الَّتي مارسها يُوْحَنَّا المعمدان، ثم إلى حلول الرُّوْح القُدُس في التائب. وأثبت الرَّسُوْل بطرس إتمام هذا الوعد في عيد العنصرة أمام الثلاثة آلاف نفس: "توبوا، وليعتمد كل واحد منكم على اسم يَسُوْع المَسِيْح لغفران الخطايا. فتقبلوا عطية الرُّوْح القُدُس".


٠٦.١٢ - الجِهَاد الرُّوحي

لا يعني حلول الرُّوْح القُدُس فينا أنَّنا قد تحرَّرنا مِن التجارب، بل بالعكس! لأنَّ الروح يشتهي ضد الجسد، والجسد ضدّ الرُّوح. وعندها تندلع نيران حرب مريرة يصفها الرَّسُوْل بُوْلُس بقوله: "بالرُّوح تميتون أعمال الجسد" (رومية ٨: ١٣). وفي رسالة أَفَسُس ٤: ٢٢ يقترح بُوْلُس على المؤمِنين: "أن تخلعوا مِن جهة التصرف السابق الإِنْسَان العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور، وتتجدّدوا بروح ذهنكم، وتلبسوا الإِنْسَان الجَدِيْد المخلوق بحسب الله في البرّ وقَدَاسَة الحقّ". إنَّ لبس الإِنْسَان الجَدِيْد يعني لبس يَسُوْع، بعد أن أعاننا أوَّلاً على خلع أنانيتنا الأصلية.

قد نبتلي بهزائم في هذا الجِهَاد مِنْ أَجْلِ حياة مقدَّسة. وفي هذه الحالة ننتصب، ونلجأ إلى يَسُوْع، ونعترف له بزلاتنا وآثامنا بصراحة، فننكسر لكبريائنا، ونلتصق بيَسُوْع، ونختبر قوَّته في ضعفنا. هذه هي الطريقة الوحيدة للتغلب على الشرّ فينا، ولبلوغ النُّضج الروحي. ليس عبثاً ما يقوله الكِتَاب المُقَدَّس: "كل الَّذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله" (رومية ٨: ١٤). وفي اختبار الإيمان هذا نتعزى بشهادة الرَّسُوْل بُوْلُس: "لا شيء مِن الدَّينوية الآن على الَّذين هم في المَسِيْح يَسُوْع، السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الرُّوح، لأن ناموس (شريعة) روح الحَيَاة في المَسِيْح يَسُوْع قد أعتقني مِن ناموس (شريعة) الخَطِيْئَة والموت" (رومية٨: ١-٢). فبينما يحرّم كتاب العَهْد القَدِيْم نِيَّاتِنَا وأفعالَنا الشِّرِّيْرة، تحت حكم الشَّرِيْعَة، يمنحنا كتاب العَهْد الجَدِيْد معرفةً أعمق لتورّطنا في الإثم، ويحثّنا في الوقت نفسه على قبول النعمة والمغفرة بالإيمان بيَسُوْع، ويوطِّدنا في نيل قوَّة الرُّوْح القُدُس لتجديد شعورنا الباطني وإرادتنا. وإذا سنّ موسى شريعته باسم الرَّبّ وأقام حواجز للوِقَايَة مِن السقوط في الشر، فقد منحنا يَسُوْع تبريراً أبديّاً وقوَّة روح الله لتتميم هذه الوَصَايَا. لقد كشف كتاب العَهْد القَدِيْم ارتياباً في حياتنا على أساس أفعالنا و نِيَّاتِنَا الفاسدة، إنما أبونا السَّمَاوِيّ منحنا التبرير مِن الذَّنْب والتحرّر مِن القصاص بواسطة يَسُوْع المَسِيْح ابنه الوحيد، ويشاركنا في قوَّة روحه الأزلي للغلبة على الشر. يقودنا الله الواحد في الثَّالُوْث مِن الذنب إلى البرّ، ومِن الخيبة إلى الغلبة بقوَّة محبّته الحالّة فينا.


٠٧.١٢ - الإسلام والشَّهوة

لا يَعرف الإسلام تكميل الشَّرِيْعَة بالتبرير الإيماني، ولا الفوز على الضعف الجسدي بالحَيَاة في الروح. كتب مُحَمَّد: "خُلق الإِنْسَان ضعيفاً" (النساء٤: ٢٨). وبهذا ألقى جزءاً مِن مَسْؤُوْلِيَّة الذنب على الله. لذلك أذن مُحَمَّد للرجال بأن يتزوَّجوا بجانب نسائهم الأربع جواريهم لئلا يقعن في تجربة (النساء٤: ٢٥). لقد تزوج مُحَمَّد نفسه زوجة ابنه بالتّبنِّي زيد، والَّتي فاجأها في درع وخمار ببيتها. ونزل عليه وحيٌ خاصٌّ مِن الله بأنه يجوز له أن يستنكح النساء اللواتي يهبن أنفسهن له (الأحزاب ٣٣: ٣٧، ٥٠، ٥١).٠

وبالإضافة إلى ذلك يوجد في القُرْآن آياتٌ أخرى بأنَّ الله يُضلّ مَن يشاء ويَهدي مَن يشاء (إبراهيم ١٤: ٤؛ وفاطر ٣٥: ٨). وبهذا لا يبقي الكثير مِن المَسْؤُوْلِيَّة الأدبية على الإِنْسَان بمفرده. وفي الجِهَاد المقدَّس أيضاً كان السّلب واغتنام الغنائم هدفاً عاماً. وقد خسر المحاربون بعض المعارك لأنّهم انهمكوا، قبل الأوان، في جمع الغنائم ونقلها إلى مساكنهم. وحدث أحياناً نشوب خصام حول توزيع الغنائم بعد الفوز في المعركة. إن الرِّبحَ المادي والانغماس في الشهوة كثيراً ما يلعبان دَوراً مهماً في فكر المسلم. وتُعَدّ السلطة والكرامة إلى هذا اليوم رحمةً خاصة مِن الله. كما كانت العزة والجلالة والسيادة أمثلة حية للخلفاء، ولا تزال هذه المبادئ شعار الحكَّام المُسْلِمِيْن. وإنّ تواضُع المَسِيْح ووداعته أمران غريبان في الإسلام.

أمَّا الانتقام الدموي فغير محرَّم على المسلم، إنْ لم توجد تسوية لدفع الديّة. كان مُحَمَّد يرسل رسُلاً لاغتيال أعدائه الشخصيين خفيةً. فالإنسان لا تتحسَّن نيّته في ظلّ الإسلام، بل يبقَى، إلى حدّ بعيد، على ما كان عليه، إلاّ أنّه يصبح حصيناً ضد الخلاص في المَسِيْح. يُعَدّ الإيمان بالله الآب إحدى الخطايا الَّتي لن تُغْتَفَر حسب اعتقاده. لذلك ينبغي للمسلم أن يسعى إلى نجاة نفسه بواسطة أعماله الصالحة الموهوبة. وهذه الأعمال الصالحة لا تتكوّن في الدرجة الأُوْلَى مِن خدمات المَحَبَّة أو مِن الأَفْكَار الطاهرة، بل مِن إتمام الفرائض الدِّيْنِيَّة كالشهادة والصلاة والصوم نهاراً في شهر رمضان، وتقديم الزكاة، وإتمام فريضة الحج في مكة، واستظهار القُرْآن، والجِهَاد فِيْ سَبِيْلِ نشر السلطة الإِسْلاَمِيّة. فلا يعرف المسلم ضرورة تجديد النيّة أو تغيير القلب. وكيف يمكن أن يكون هذا ما دام الرُّوْح القُدُس مجهولاً في هذا الدين؟ (الإسراء ١٧: ٨٥). يَنظر المسلم إلى الرُّوْح القُدُس عن سوء فهم كأنّه الملاك جبريل، ويعتبره روحاً مخْلُوقاً. لا يفهم المسلم أنَّ الرُّوْح القُدُس هو روح الله نفسه. لذلك تتكوّن حضارة الإسلام وثقافته مِن أعمال الجسد. وثمارُ الرُّوْح القُدُس مجهولةٌ في الإسلام، لأنَّ مغفرة الخطايا بنعمة المَصْلُوْب مرفوضة. مِن السهل على الإِنْسَان أن يصبح مسلما،ً فيحق له أن يستمر في طريقة عيشته الَّتي كان يعيشها قبلاً. والَّذي يعتنق الإسلام يقدر أن يحتفظ بالعديد مِن الزَّوْجَات اللواتي كنَّ له قبلاً بحسب عادات البلد في أفريقيا أو آسيا، ويجد أن رغباته الجسدية وآماله المادية تُخطَّط حتَّى في داخل الفِرْدَوْس: الأكل، والشرب، والمتعة، واللَّذَّة الجنسيَّة، كل هذه توضع نصب عَيْنَي المسلم كمستقبل أبدي (الواقعة ٥٦: ١٥-٣٧). أمَّا الله فإنّه غير حاضر بالتأكيد في الفِرْدَوْس. فالآمال في الإسلام لا تتوَّقف بالدرجة الأُوْلَى على الشركة الرُّوْحِيَّة مع الله الآب، ولا على التجديد الروحي، ولا على الجِهَاد ضد الأنانية الذاتية كما هو في الإِنْجِيْل. لقد سقط الإسلام أدبيّاً دُوْنَ مستوى العَهْد القَدِيْم بدرجات، ولا يمكنه أن يرقى أبداً إلى مستوى حياة إِنْجِيْل المَسِيْح ومبادئه.


٠٨.١٢ - المَسِيْح رجاؤُنا الوحيد

يليق لنا أن نتحرّر مِن احتقار المسلم أو اليهودي. إذ ليس مِن مَسِيْحيٍّ، بحد ذاته، أفضل مِن أيِّ إنسان آخر. إنما بالإيمان بالمَسِيْح وحده ننال براً وقوَّة لحياة مقدَّسة. يَسُوْع هو الكرمة، ونحن الأغصان. تحفظنا هذه المعرفة مِن الكِبْرِيَاء، وتُرينا مَن نحن على حقيقتنا. لا نقدر أن نفعل شيئاً صالحاً بدون يَسُوْع، فهو المقياس لنا، وهو يحقِّق خلاصَه فينا مجاناً. وحيثما تجعل شريعة موسى أناساً ضالين وهالكين، ينجِّينا يَسُوْعُ ويحفظنا في حمايته للحياة الأبدية.

www.Waters-of-Life.net

Page last modified on March 11, 2014, at 10:11 AM | powered by PmWiki (pmwiki-2.2.140)